تاريخ الشطرنج العربي
القوانين، الافتتاحيات (التعبئات)، الألغاز (المنصوبات)، مسألة الفرس (جولة الحصان)، المقامة الشطرنجية، مخطوطات الشطرنج العربية، كتب أبو بكر الصولي والعدلي، والأشعار في الشطرنج، وغير ذلك.
مقدمة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: هذا بحث مبسط عن الشطرنج العربية التي ازدهرت في عهد الدولة العباسية، فيها ذكرت القوانين والمصطلحات وطريقة تسمية المربعات، ثم ومثالًا على افتتاحية ومثالًا للغز وقيم القطع كما كتبت في أحد المخطوطات.
ثم ذكرت مسألة الفرس والمقامة الشطرنجية التي لم أجد أحدًا من العرب استخرجها من كتب الأعاجم، وجمعت عددًا من الأشعار التي ذكرت الشطرنج واستشهدت بها.
نشأة الشطرنج
فقد تلخصت أقوال الباحثين عن أصل وتاريخ الشطرنج، أنها بدأت في الهند (المصادر: 1، 5، 6) اخترعها صصّه بن داهر لملك الهند عام 1200 قبل الميلاد، ثم انتقلت إلى بلاد فارس ثم إلى العراق وبلاد الشام ثم إلى صقلية والأندلس وصولًا إلى أوروبا.
وفي عهد هارون الرشيد كانت معروفةً عند الروم بدليل رسالة ملك الروم التي ذكر فيها:
من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب، أما بعد فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخّ، وأقامت نفسها مقام البيدق، فحملت إليك من أموالها أحمالاً، وذلك لضعف النساء وحمقهنّ، فإذا قرأت كتابي فاردد ما حصل قبلك من أموالها، وإلا فالسيف بيننا وبينك
وفيها ذكر للرخ والبيدق.
الشطرنج العربي
ازدهر الشطرنج في عصر الخليفة العباسي هارون الرشيد بين 170هـ و 180هـ، واستمر إلى عهد الخلفاء من بعده، ويقال أن الخليفة هارون الرشيد قد أهدى إلى أحد الملوك قطع شطرنج، وقيل أنه كانوا يلعبون في مجلس الخليفة.
وأشهر الكتاب في الشطرنج هم:
- أبو بكر يحيى الصولي المتوفى سنة 336هـ
- العدلي الرومي، غير معروف سنة وفاته، ولغب في عهد المتوكل
- أبو الفرج محمد بن عبيد الله اللجلاج المتوفى سنة 360/361هـ
- الرازي، غير معلوم سنة وفاته، ولعب في عهد المتوكل، وليس هو أبو بكر الرازي الطبيب المشهور، وله كتاب: لطيف في الشطرنج.
الفرق بينها وبين الشطرنج الحديثة
- القلعة: الرخ، لم يتغير
- الحصان: الفرس، لم يتغير
- الملك: شاه، لم يتغير
- الوزير: الفرزان أو الفرز، كانت حركته مربع واحد قطريًا في الاتجاهات الأربعة
- الجندي: بيذق أو بيدق، حركته دائمًا مربع واحد حتى لو كان في بداية اللعبة، وقد يقال جمعهم: الرَّجَالَة
- التبييت، غير موجود
- الترقية: نعم، وكان يتحول بشكل مباشر إلى فرزان، بمعنى عدم وجود Underpromotion، ويقال: تفرزن البيذق
والملكان والفرزانان متقابلان ويكونان في العمود الأيسر للأبيض (D file).
ويخسر اللاعب إذا حوصر (stalemate) أو بشاه مات أو أكلت جميع قطعه.
ومنها قول الشاعر :
وإذا البيادقُ في الدسوتِ تفرزَنَت
فالرأيُ أن يتبيذَق الفِرزانُ
والألوان بدل الأبيض والأسود هي الأحمر والأسود، وأعتقد أن السبب هو شهرة ألوان الحبر الأحمر والأسود عند الخطاطين وقتها.
المخطوطات
حسب كتاب وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لابن خلكان (يذكر أشهر الناس على مر العصور) وأيضًا حسب كتاب الفهرست لابن النديم (كتاب يفهرس الكتب في عصره) أن الصولي كتب كتابين في الشطرنج (الجزء الأول والثاني)، والعدلي كتب كتابًا، والرازي كتابًا، والجلاج كتب كتابًا في منصوبات الشطرنج.
لذلك جمعت هنا وأرشفت بعضها:
- كتاب الشطرنج مما ألفه العدلي والصولي، نسخة نادرة عن مخطوطة لالا إسماعيل أفندي 560 مكتبة السليمانية في اسطنبول، تتكون من 286 صفحة كتبها أبو إسحاق إبراهيم البغدادي سنة 535هـ، (ذكرها الحقيل في المصدر 6 صفحة 56). لم أجد المخطوطة ولكن أيضًا ذكرت بوصفٍ مشابه في موقع عشوائي
- جزء في الشطرنج للصولي كتب سنة 755هـ
- كتاب في الشطرنج ومنصوباته وملحاته كتب سنة 655هـ
بالنسبة لكتاب جزء في الشطرنج، وجدت تنصيصًا لبعض المخطوطة أعده أبو يوسف الفلسطيني، وأما القصيدة التي كتبت في أول صفحة، فهذا هو النص المكتوب (على بحر الخفيف):
الحمد لله هذه القصيدة تضمنت كيفية من لعب الشطرنج للشيخ صفي الدين الحلي صاحب البديعية الشهيرة:
وغزالٍ غازلته بعد بينِ ألفت بينه المدام وبيني
…
إلى آخر القصيدة، وجدتها في موقع الديوان
أبرز المصطلحات
- دست، وجمعها دسوت: الأغلب أن معناها الرقعة أو الموقف الشطرنجي، ويقال الدست له، يعني الغلبة له والأفضلية له، وأصلها فارسي وتعني يد.
- التعبئات: الافتتاحيات، وإلى الآن تستعمل
- المنصوبات: الألغاز، وهو دست ويكتب فوقه: الأسود غالبٌ واللعب له أو الأحمر غالبٌ واللعب له، وقد يكتب اسم القطعة أو شرط حل المنصوبة.
- الضرب: النقلة
- البيت: المربع، وقد يقصد به العمود في بعض الحالات حسب ما فهمت.
- الدواب: القطع
- شاه: كش
- شاه مات: كش مات
قيم القطع
كما في الشطرنج الحديث يوجد تقييم للقطع في صفحة 30/31 من “كتاب الشطرنج ومنصوباته وملحه” وهذا هو نص المخطوط:
ويجب أيضًا أن تعرف قيمة الدواب، فالشاه لا قيمة له، وقيمة الرخ درهم، والفرس ثلثا درهم، والفرزان ثلث درهم، والفيل ربع درهم، وخير البياذق بيذق الشاه والفرزان وبيذق الفرس الذي يلي الشاه، وقيمة كل بيذق منها سدس درهم، وبيذق الرخ ثمن درهم. وبيذقان خيرٌ من فيل.
أي حسب هذا الجدول (بعد ضرب الأرقام في 8):
| القطعة | القيمة الحالية | القيمة القديمة |
|---|---|---|
| الوزير/الفرزان | 9 | 2⅔ |
| الفيل | 3 | 2 |
| الرخ/القلعة | 5 | 8 |
| الحصان/الفرس | 3 | 5⅓ |
| البيدق/الجندي | 1 | 1 |
على الرغم من أنه في كتاب أوكسفورد للشطرنج ذكر قيمًا مختلفة وقال أنها من كلام العدلي.
ويوجد أيضًا في نفس المخطوط، قسم للمقارنات، مثلًا:
- رخٌ وفرزان على فرسٍ وفرزان إذا تلاقتها قائمة، وإذا تخالفا مغلوبة.
- رخٌ وفيلان على فرس وفيلين وفرزان قائمة.
طريقة تسمية المربعات
يقال، ثاني بيت فرسه الأيمن، يعني ثاني صف من عمود فرسه الأيمن في الموقع الأساسي لها في بداية اللعب، يعني إذا افترضنا أنه كان يلعب بالأبيض في الرقع الحديثة فهو يقصد مربع g2 أو إذا كان يلعب بالأسود فهو يقصد b6.
ويقال ثالث فيل رسيله الأيسر، يعني إذا كان يلعب بالأبيض فالمقصود c6، وهكذا والله أعلم.
وقد ورد في كتاب “تاريخ الشطرنج لماري” صفحة 231 أنه يوجد صيغة جبرية لتسمية المربعات بحرفين، بحيث تكون الأعمدة مثلًا: “أ ب ج د ه و ز ح”، والصفوف: “ي ك ل م ف ر ش ت”. فيقال المربع (يا) هو المربع في الأسفل يمين.
وكما ورد في قصيدة ابن دريد استعمال هذا النظام مع تبديل الفاء بالقاف، أعتقد أنه إما وهمٌ من كاتب كتاب تاريخ الشطرنج وأنه أبدل الشين بالسين أو وهم مني وأن الصحيح هو ما استعمله ابن دريد.
التعبئات
هذا نص من مخطوطة: “كتاب في الشطرنج ومنصوباته وملحاته” صفحة 32:
باب التعابي
التي اصطلح عليها واكثر منها خمسة. فالأولى اصطلاح اللجلاج وهو أنه اختار هذي التعبئة، وقال أنها أجود من غيرها لكون القطع تخرج عن بيوتها في اثني عشر ضربة، وأنه اختار أن يخرج الرخ الأيمن الذي يلي الفرزان إلى ثاني الفرس ثم يأتي به إلى ثاني الفيل الأيسر، والرخ الأيسر في أول بيت الفرس ثم يقلب فرزانه غلى ثاني الفيل الأيمن ويدفع بيدق فرسه الأيسر ويكون لعبه من جانبه وهو أولى من غيره، هذا صوَّت ما ذكر في أول خروجه ثم بنى دست على ذلك على الصحيح

وهذه بداية الصوفي عمر البغدادي، وأبي بكر الموصلي الشطرنجي
حاولت فهم هذه الافتتاحية ولكن لم أستطع للأسف.
بعض الألغاز (المنصوبات)
أيضًا من “كتاب في الشطرنج ومنصوباته وملحه” صفحة 37 هذه المنصوبة.
الأحمر غالبٌ واللعب له
بالشاه إن زاد على الوجه
وشرطها أن يغلبه شاه مات في البيت الذي فيه الفيل
وحلها كما في المخطوطة:
يصعد بشاهه إلى ثاني فرس رسيله ويضربه بالرخ شاه ويمنعه أن يصعد إلى الزاوية فإذا صار في رابع رخه أنزل رخه إلى ثالث الفرس حفاظًا على بيدقه.. ثم يعود بشاهه إلى ثالث فيله، ثم يدير فرزانه إلى ثاني فيل رسيله الأيسر فإذا وقع الزايد عليه وصار شاهًا في رابع الرخ الذي لك اضربه شاه بالرخ من ثالث الرخ الذي له فينزل إلى رابع فرسه.. فاصعد برخك إلى بيت رخه فلا بد له من أخذ بيدق الفيل فإذا أخذه انقل انقل رخك إلى بيت فرزانه فينقل شاهه إلى رابع فرسه.. فانقل فيلك إلى ثالث الشاه فإن دفع بيذقه انزل برخك إلى ثالث شاهه فإن دفق البيذق مرةً أو نقل شاهه فانقل رخك على أي حالٍ كان إلى ثالث فرسه الأيسر ثم اصعد بعد ذلك بيتًا بيتًا بالتضيق وأخذ الزايك حتى يصير شاهه في الزاوية وشاهك في رابع رخة أو فرسه ثم اضربه شاه بالرخ فينزل ثم بالفيل شاه مات
صورة الرقعة بالشكل الحديث (استنتجت الألوان بناءً على لون الفرزان):

للأسف لم استطع فهم الحل أيضًا.
أشعار فيها ذكر الشطرنج
ابن الرومي، رابط القصيدة:
تفرَّستُ في الشّطرنج حتى عرفتها
فإن صحَّ رأيي فهي بالوعةُ العقلِ
المتنبي، رابط القصيدة:
أرى الشطرنج لو كانت رجالا … تهزُّ صفائحاً وقناً طِوالا
لغادرت الثواكل معولاتٍ … بساحتنا وأطولت القتالا
ولكني أرى خشباً ضعيفاً … إذا شهد الوغى لم يَدع آلا
ولم يُصدِرن حُمراً كُنَّ بيضاً … ولم يغشين من موت ظلالا
فلو كنا نحارب مثل هذا … لباقينا مع الدهر الجبالا
وأيضًا:
ما للزمان وفي الزمان عجائبٌ … رفَعَ الذليل ورام خَفْضَ المُرْتقي
فجرى الحمار مع الجواد مسابقًا … وتوطَّنَ الفِرْزَانُ رَبْعَ البَيْذَق
الواساني، رابط القصيدة، (بحر الخفيف):
أَوجَروني النَّبِيذَ بالرَّطْلِ حتى
صرت أمشي كمشية الفِرْزَانِ
وأبو العلاء المعري له في الشطرنج أبيات، فهذا بيت يصف أن الضعيف قد يفتك بالقوي، (بحر السريع):
فــي بُــقــعَــةٍ مِــن رُقــعَــةٍ يَــسَّــرَت
لِــلــبَــيــذَقِ الــفَــتـكَ بِــفِــرزانِــهـا
وكتب محمد أسعد أفندي الجابري المتوفى سنة 1277هـ القصيدة كاملة مخمسة في جامع الكتب الإسلامية، وقد ذكرت بترتيب فيه اختلاف يسير بدون تخميس في تفسير الألوسي وفي مجموعة المخطوطات العربية الإماراتية في تويتر:
خَلَتِ البِقَاعُ مِنَ الرِّخَاخْ … وتَفَرْزََنَت فِيهَا البَيَادِقْ
وَسَطَا الغُرَابُ عَلَى العُقَابْ … وَاصْطَادَ فَرْخَ البٌومِ بَاشِقْ
سَكَتَتْ بَلَابِلَةُ الرِّيَاضِ … وأصبحَ الخفاشُ ناطقْ
وتَسَابقت عُرَجُ الحميرِ … فَقُلت مِنْ عَدَمِ السَّوَابِقْ
وتخميسها:
لم يبق في الدنيا مواخ… زمن الرجا ولى وشاخ… يا ناعيًا زد في الصراخ…
خَلَتِ البِقَاعُ مِنَ الرِّخَاخْ … وتَفَرْزََنَت فِيهَا البَيَادِقْ
هي جيفةٌ حق الكلابْ… فترى الكرام بها تُصابْ… ولئامها تعطى النِّصَابْ…
وَسَطَا الغُرَابُ عَلَى العُقَابْ … وَاصْطَادَ فَرْخَ البٌومِ بَاشِقْ
حكم الإلهُ فلا اعتراضْ… لرَفِيعِهَا بالانخفاضْ… فانظر إلى ذا الاعتياضْ…
سَكَتَتْ بَلَابِلَةُ الرِّيَاضِ … وأصبحَ الخفاشُ ناطقْ
ذَهَبَ الخَلِيلُ مع السَّميرْ… وَرَقَى الصغير مع الكبيرْ… واحسرتا أين المجيرْ…
وتَسَابقت عُرَجُ الحميرِ … فَقُلت مِنْ عَدَمِ السَّوَابِقْ
وأيضًا في “كتاب الشطرنج ومنصوباته وملحه”:
أرض مربعـة حـمراء مـن أدم … ما بين إلفين موصوفين بالكرم تذاكرا الحرب فاحتالا لها شبهـا … من غير أن يأثما فيها بسفك دم هذا يغير علـى هذا وذاك علــى … هذا يغير وعين الحرب لم تنم فانظر الى الخيل قد جاشت بمعركة … في عسكرين بلا طبل ولا علم
وأيضًا أسامة بن منقذ:
انظرْ إلى لاعبِ الشطرنجِ يجمَعُها مُغالِبًا، ثم بعد الجَمعِ يرميها
كالمرءِ يكدحُ للدنيا ويجمَعُها حتى إذا مات خَلّاها وما فيها
مسألة الفرس
وهي مسألة هندسية رياضية، تطلب أن تحرك الحصان من أي مكان بداية 63 نقلة إلى أن يكون قد مر على جميع المربعات مرةً واحدةً فقط.
واشتهرت المسألة لاحقًا باسم “جولة الحصان” (Knight’s Tour)، حتى أصبحت من أشهر المسائل في علوم الحاسب.
ورد في كتاب “تاريخ الشطرنج لماري” صفحة 335 أن أوائل من طرح وحل مسألة الفرس هم الصولي والعدلي، وأن هذا النوع من المسائل كان يسمى “مِخْرَاق” وجمعها “مخارق”، وأن الصولي والعدلي ألفا الكثير من المخارق، مثل: مخراق الفيل، مخراق السبع بياذق، وغيرها.
وذكر أنه يوجد ما لا يقل عن 4 قصائد في كتاب الشطرنج للصولي والعدلي تحل مسألة الفرس، الأولى لابن طاهر البصري والثانية لابن دريد وأخرى لعلي بن أبي عبدالله الشيرازي، وكلها قصائد حلها باستعمال الصيغة الجبرية التي ذكرها أعلاه.
وأن هناك بعض القصائد تستمعل النظام الوصفي في تسمية المربعات لكل نقلة.
وفي كتاب “قصيدتان منسوبتان لابن دريد” وهو ابن دريد أبو بكر محمد بن الحسن الأزدي المتوفي سنة 321هـ، قصيدةً شطرنجية يحل فيها المسألة، بحيث يعبر عن كل مربع بحرفين، والقصيدة تتكون من 64 شطر تحل المسألة.
وفي صفحة 56 من هذا الكتاب، تحدث عن أصل المخطوط، وهو نفس المخطوط المفقود المذكور أعلاه من مكتبة اسطنبول.
وهذا المقطع المبارك من خالد الحمدان يشرح قصيدة ابن دريد مع التصوير شرحًا وافيًا.
المقامة الشطرنجية
في كتاب “مخطوطات الشطرنج العربية في مكتبة جون ريلاند” ذكر أنه وجدت مخطوطة للمقامة الشطرنجية لابن أبي حجلة التسلماني المتوفى سنة 776هـ.
والمقامات هي قصص خيالية يكون فيها عدد من الشخصيات الرئيسة الثابتة والتي تذكر في كل مقامة، ويكون السرد مبنيًا على السجع والأشعار.
وفي كتاب ابن أبي حجلة التلمساني وما بقي من مقاماته المكتوب عام 2016م ذكر أن له 27 مقامة، لا يُعرف سوا 11 عنوان لمقاماته، وهنا اكتشفنا المقامة الثانية عشر ذكرت في كتاب “A Chess Maqama in the John Rylands Library“، وهذه هي منصصة من الكتاب، والله أعلم:
حكى الساجع بن حمام قال: قدمت في رفقة واردين، إلى ماردين، ﻷرى قلعتها التي تبرقعت بالغيوم، واطفت برقعتها بيادق النجوم، فاستغنت بالدرارى عن الدرر، وأمست بوجوه سكانها في كل ناحية من وجهها قمر.
فإذا نظرت إلى الوجود بأسره شاهدت كل الكائنات ملاحا
فدخلتها ونجم المؤذن في طالع الفلاح، وامتزجت بندمائها امتزاج الماء بالراح، فنلت بطالعها الدرجة العليا، واشرفت من عدوتها القصوى بالدنيا.
بلدٌ قَرِبتُ من السماء بأرضها … لمّا حلَلْتُ بِأُفقِ آدبها الندي لو لاح في نهر المجرة حوته … ﻷخذته منها سريعًا باليد
فجعلت آوي بها إلى كل بقعة، وأجول بها جولان الرخ في الرقعة، ما بين ظبي كناس، وكبير أناس، وساقٍ صغير، يستصغر الكأس الكبير، ويديم ملاحظة النديم، ويقول في الحديث على الشراب القديم:
وما بقيت من اللذاتِ إلا … أحاديث الكرام على المدام
وينشد:
أرى الصالحَ السلطانَ إقليم مُْلْكِه … يقرّبُ بالإحسانِ من هو نازحُ
فكم عينُ ماءٍ في حماةَ تقول لي … ألا كل ما قرَّتْ به العينُ صالحُ
بينا نحن في إبّان الربيع، وفصل إنشاد المقطوع على القطيع، إذ هبت نفخة الصور، وأشرقت كواكب النور، فخرجنا لنقطف من الزهر نوره، ونتقاطع بالقطيع الدائر على الهموم الدوره.
خرجنا على أن المقامَ ثلاثةٌ … فطاب لنا حتى أقمنا به شهرًا
ما بني لاعب شطرنج، وصاحب شش وبنج.
مشوا إلى الراح مشي الرخ، وانقلبوا والراح يمشي بهم مشي الفرازين، من كل ذي نفسٍ سامية، وهمةٍ عالية، يديم شرب المدامة، ويرى في رقعته الحمراء ما لم تره زرقاء اليمامة.
أعاطيه الزجاجة من لجينِ … وآخذها من الذهب المذابِ فأكسب لا محالةَ في التعاطي … كأني في معاملتي مرابي
فما كان إلا أن أطفأنا الحريق بالرحيق، وأخذنا في القراع بالشطرنج على قارعة الطريق، إذ قدم علينا شيخٌ من ربيعة الفرس، ينتف عثنونه من الهوس، يزيد في الكيد، على أبي زيد، عليه سيما أرباب الطريقة، ومرقّعةٌ كرقعةِ الشطرنج العتيقة.
فقال: يا ذوي الأريحيّة، والنفوس الأبية، أما ترون حالي الحائل، وحائطي المائل، قد ركب الفقر كشفي، وأصبحت بيادق الأولاد من صفّي، لا يعرفون من القطع وزنها ولا يملكون من الشاة أذنها، فبيدقهم في أكله فرزان، وأمهم كالفيل تأكل ما كان، ويضيق المكان، وقد كبرت سني، ووهن العظم مني، فقاطعتني البيض والسود، وآيست نفسي من الوجود.
فلعلها ولعلها ولعلها … ولعل من عقد العقود يحلها
قال الساجع من حمام: فطربنا من ألفاظه الشطرنجية، بدقاته الفاضلية، وكلامه اللاعب على النكت الأدبية، فأمرناه بالقعود لينال المطلوب، ويأخذ دينار المغلوب.
فلما قعد حول الدست قام، وعزمنا على القيام، فخاف الشيخ بهذا السبب، ذهاب الذهب، فأقسم من تسوية الرقعةِ: بالأرض وما طحاها، ونفس وما سواها، لئن جعلتم لي الجعلين، ﻷغلبن فيه من وجهين.
فقلت: ما يدّعي دعواك الماوردي، ولا صصّة الهندي، فلا تراهن على الصعبة، فتروح روحك في لعبة.
فقال: جهلت مقداري ﻷني ربّوني على وغى الحرب الزبون،
ستعلم في الرقاع إذا لقينا … جياد الخيل في أيٍّ أكون
فعليك بالمهملة، فإنه لا يكذب الرائد أهله، فعند النطاح ثمّ، يغلب الكبش الأجم، ثم إنه شمر ذيلا، وأدرع ليلا، فأخذ السود، وقال ﻷمر ما يسوّد من يَسُود.
فلما قصدت لدفعه، وأخذت في منعه، ضرب الشاه بالفرزان، وقال حيل بين العير والنزوان، فحاز الجعلين، وأصبح بالذهب قرير العين
ثم قال: ترك الخداع، من كشف القناع، فيا أرباب الخيل، والأذهان السيالة كالسيل:
هل فيكم الآن بارزْ … في لُعْبِهِ أو مُبَارزْ أريه فيهِ حسابًا … في كلِّ أصلٍ وبارزْ فكم قطعتُ بخيلي … إلى العدوّ مراكزْ أرضى عليه حرام … إلا إذا كان جائزْ ولحم شاتي وضأني … وشاة غيري ماعزْ
قال الساجع بن حمام: قلما ارتجز وارتجل، وأبدى حوقلة الحجل، تأملته فإذا به شيخنا أبو الرياش رخُّ الرقعة، ومثير النقع في كل بقعة، فصحّ فيه حدسي، وأخذت منه الأمان على نفسي
فقلت: دونك والقوم، فلا طاقة لي بك اليوم،
فغير فؤادي للغواني رمية … وغير بناني للرخاخ ركاب
فبيناه يصول كالصولي، ويبحث في باب الرهين بحث الأصولي، إذ بدر إليه بدر البقعة، وشاهُ الرقعة، فعقد الرهان، وتقدما إلى رقعة الميدان، على أنه لكل يدٍ ما ضربت، ولكل شاةٍ ما حلبت، ولكل نفسٍ ما كسبت.
فأخذ كل منهما في تعبية عسكره، وتقديم معسكره، فاعتدّ صاحبنا ﻷجله، وزحف عليه بخيله ورجله، فمال عليه كل الميل، وأجرى بيادق السيالة كالسيل.
فقابله أبو الرياش من تعبية المجنح بنشر الجناحين، وحلق بالرخين إلى موضع الفرسين، من كل رخّ أهدى من حمامة، وأنفر من نعامة، أعز من بيض الأنوق، وأعظم من العقيق في العقوق، فبيدقه نجمٌ في السحاب، ورخة عقاب في عقاب.
فضاق بينهما المحال، والتحم القتال، فقامت الحرب على ساق، ودخلا في أول باب من طق إلى طاق. فجعل أبو الرياض تارة يرزمه، وآونةً يطمعه حين يطعمه، وينشد:
أدوس بخيلي كل أرض محاربٍ … أهين بها نفس العدو الذي يردي وأكرم نفسي إنني إن أهنتها … وحقّك لم تكرم إلى أحدٍ بعدي
فجعل صاحبنا تارةً يبعده، وآونةً ينشده:
أتطمع في خيلي بأدهم مذ غدت … بيوتك منه ضيقات المنازلِ وتطميعه مثل الثريا إذا بدا … وأين الثريا من حقير منازلِ
فلما غرب من بيادق أبي الرياش كل نجم، وخاف وصول السكين إلى العظم، حطمه بفرسه الأشقر، وأذاق الشاه الأسود الموت الأحمر.
ففاز من عدوه الأزرق بالدينار الأصفر، وجعل مثل ثغر الأقاح الأبيض يضحك على شارب الطريق الأخضر. فتقد إلي الثاناي فما كان بعد قليل، حتى قتله بالفيل، فأحست في سوق الفرس وردّها، وماتت منه الشاه في جلدها، فبطلت منه الحواس وكدها، وأخطى في هزلها وجدها، بعد أن تخير في عدها.
ونسأل الله تعالى غفران ذنوبنا كلها، يوم تأتي كل نفسٍ تجادل عن نفسها، إنه جوادٌ كريم.
بالنسبة للافتتاحية، فهي 12 نقلة.
خاتمة
لعل البحث قد ترك بعض الثغرات لم يبحث فيها ولم يمحصها، إن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان:
هذه الكتب قد تكون مرجعًا لمن يبحث في الموضوع:
-
نزهة أرباب العقول في الشطرنج المنقول، حققت من المخطوط سنة 2012م
تم بحمد الله.
المصادر
- صفحة 356: كتاب وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لابن خلكان المتوفى سنة 681هـ
- صفحة 189: كتاب الفهرست لابن النديم المتوفى سنة 381هـ
- مخطوطة رسالة الشطرنج للجلاج كتب سنة 893هـ أو أقدم
- مخطوطة جزء في الشطرنج للصولي كتب سنة 755هـ
- مخطوطة كتاب في الشطرنج ومنصوباته وملحاته كتب سنة 655هـ
- كتاب قصيدتان منسوبتان لابن دريد الأزدي، أخذت القصيدة حققه إبراهيم سعد الحقيل وفقه الله سنة 2020م
- كتاب A History of Chess كتبه H.J.R. Murray سنة 1918م
- صفحة 306-308: كتاب The Oxford Companion To Chess كتبه David Hooper & Kenneth Whyld سنة 1992م
- الورقة العلمية The Arabic Chess Manuscripts in the John Rylands Library كتبها Joseph De Somogyi سنة 1959م

